كمرايا غرف القياس المتقابلة ، كانت تتطلع لانعكاساتها بلا نهاية ، هكذا رأت حياتها، ساعات ودقائق منشطرة بلا تساو محدد بين أحداث الواقع و الحلم . في البداية كانت تظن الجميع مثلها ، أو أن أحلامهم تشبه أحلامها ، لا تتذكر متى انتبهت للمرة الأولى إلى اختلافها ، شعرت بالذعر في أوقات حين تطاردها أشباح الواقع في أحلامها ، أو حين كانت تعلق بين تلك المنطقة الوسطى بين العالمين ، لحظات تعجز فيها عن التمييز أو الإدراك ، لحظات تخشى فيها أن تعلق في إحداهما ويضيع منها الآخر تماما ، لكنها وبإحساس فادح بالظفر ، بظفر عميق لمن يمتلك معرفة خاصة يجهلها الآخرون جميعا ، وبعمق السر في أعماقها ، صارت تحرص على تلك المقدرة العجيبة في حواسها وأعماقها المظلمة ، المقدرة على الحلم ، على امتلاك حيوات أخرى ، القدرة حتى على ابتكار أحلامها الخاصة ، وخلق شخصيات وأحداث من نسج عقلها وإرادتها .
، في البداية لم تكن تمتلك تلك القدرة على تطويع أحلامها ، أو الإدراك لأي العالمين ، إنها حتى لم تكن تدرك قدرتها على نقل أحلامها إلى الواقع ، السيطرة على الآخرين ،أو على الأحداث من حولها ، التغيير كان يحدث معها باستمرار ، ،وبتطور أحلامها كانت تتغير قسماتها في الواقع ، أدركت أنها وقعت عقدا معه ، ذلك الظل الأسود داخلها ، كان عليها الغوص أكثر ، والقبول بكل الشروط . حتما حاولت المقاومة في البداية ، بيقين داخلى ، بكل التوق إلى الملائكية في أعماقها ، لكنهم جميعا كانوا جنودا له ، كانت المؤامرة المنسوجة حولها بإحكام في كل لحظة لمسخها وتشويهها ، لجعلها صورته المتجسدة ، وهو كانت له سيطرته التامة في أوقات كثيرة ، حين يجثم على روحها بكوابيس مظلمة ، يطاردها في ردهات عقلها وذكرياتها ، يوقظ نسله داخلها ، أو يتكاثف بأعماقها ،يتسلل إلى رئتيها ، يغشى حدقتيها فلا ترى إلا من خلاله، فتشرع في التحول إلى كائن ما ليس بشريا تحديدا ، كائن قادر على الانتقام بأبشع الصور ، على تدمير ذاته تماما. اضطرت للاعتراف بأنه كسب عشرات الجولات معها ، لكنه لم يستطع أبدا تحقيق نصره النهائي ، كانت دائما تجد منفذا ما ،تبحث عن ترياق يطيل أمد الصراع أكثر، ربما بقايا روحها البشرية القديمة التي انزوت في ركن ما مجهول ، لم يستطع أبدا الوصول إليه ، ولم يكف للآن عن المحاولة



